مستقبل السكك الحديدية في السودان
- Sulieman ABBAS
- Jan 8, 2021
- 8 min read
Updated: May 11, 2023
كثير من الدول كانت تعطي السكك الحديدية القليل من الاهتمام نسبة للتكلفة الانشائية العالية كما أن التطور الكبير في وسائل النقل المنافسة وبصفة خاصة الطرق كان يسهل التغاضي عن الحوجة للسكك الحديدية. إلا أن الازدحام داخل المدن والاثار الضارة على البيئة من استخدامات الوقود بكثافة داخل المدن مع تزايد مسافات التبادل التجاري بين الدول دعى إلى إعادة النظر في اوضاع السكك الحديدية. كان الاهتمام بداية في اوربا مع التواصل المتزايد داخل الاسواق الاوربية، وفي اسيا زاد الاهتمام بالسكك الحديدية مع زيادة النمو الصناعي. وقد شهد عدد من دول الخليج إدخال السكك الحديدية في النقل الجماعي داخل المدن كما إمتد عدد من سكك حديد نقل البضائع حيث وسعت السعودية من حجم شبكتها وأدخلت دولة الامارات شبكات نقل الركاب في دوبي.
من الاشارات الواضحة في نمو النقل السككي في دول الخليج كان |إنشاء شركة الاتحاد للقطارات في سنة 2009م وبدأت في نقل البضائع منذ 2016 وعلى طول شبكة بحوالي 264 كم. وعملت بصورة متكاملة في نقل حبيبات الكبريت الى جانب عربات للركاب. وفي مرحلتها الاولى تملك شركة الاتحاد امكانية نقل 22000 طن يوميا من حبيبات الكبريت او ما يعادل حوالي 1000 شاحنة متوسطة الحجم وتزيد تقديرات الشركة الاماراتية على ذلك. (Dubizzle.com) . ومن المتوقع أن يكتمل مشروع قطار الاتحاد بامتداده الى حوالي 1200 كم في عدد من دولة الامارات.
افريقيا تمتلك بعض اقدم شبكات السكك الحديدية في العالم منذ الحقبة الاستعمارية وبعد الاستقلال استطاعت الدول الافريقية أن تبني عددا من الخطوط الرابطة كالتانزام في شرق افريقيا. وحاليا تتابع الدراسات لمد السكك من شرق افريقيا إلى وسطها مع توفر الخبرات والتمويل من مصادر متعددة من أهمها الصين. وهنالك عدد من المشروعات التي يمكن أن تهم الشبكة السودانية كمشروع اثيوبيا وامكانية التفكير في عبوره الاراضي السودانية وايضا مشروع الخطوط الرابطة بين كينيا ويوغندا وجمهورية جنوب السودان. هذا الكم من المشروعات يستوجب النظر في تواصل سكك حديد السودان مع الدول المجاورة. ويبدو أنه من الضروري بحث حالة سكك حديد السودان وكيفية إحياء وضعها الداخلي ولتنظر إلى المستقبل عقب ذلك لتكون طرفا ضمن شبكات المجموعة الافريقية.
سكك حديد السودان تعتبر تاريخيا من بين أقدم وأكبر الشبكات الافريقية. وكانت دون منازع البنية التحتية التي بني عليها السودان الحديث ومع مشروع الجزيرة كانت الدافع الاساسي في نقل السودان من الاقتصاد المعيشي إلى اقتصاد السوق. وعلى مدار سنوات تدهور إنتاجها حتى عجزت عن نقل نسبة ضئيلة مما كانت تنقله قبل اربعين سنة كما إنخفض معدل مساهمتها في سوق النقل من90% إلى أقل من 10% من حجم النقل في السودان.
تعددت اسباب إنحدار مستوى السكة الحديد ولكنها تتلخص في سياسات الدولة نحو قطاع النقل كسبب اساسي خارجي عن نطاق السكك الحديدية. وهناك الجانب الدي أدى إلى العجز كمسبب داخلي في السكة الحديد. السياسات التي كانت تحكم قطاع النقل عامة والسكة الحديد خاصة كانت تتعامل مع وسائل النقل بصورة غير متكافئة. وأدت السياسات غير المتعادلة إلى الكثير من الضرر على السكك الحديدية في السودان. ومن بين ذلك تحجيم دورها خلال السبعينات مما أفقدها أهم مكوناتها المتصلة بها لأكثر من سبعين عام. وشمل تصغير الحجم إخراج الميناء البحري والنقل النهري والفنادق والمرطبات والاستراحات والنقل الميكانيكي من حظيرة السكك الحديدية السودانية. كلها كانت وحدات تتبع للسكة الحديد في السودان وبقرارات حكومية أصبحت مؤسسات مستقلة. وكانت السكك الحديدية السودانية بوضعها القديم ذلك تشكل أكبر منظومة للنقل متعدد الوسائط في أفريقيا والعالم العربي. الامر الثاني كان إتخفاض ايرادات السكك الحديدية بعد بناء خط انابيب لنقل مشتقات البترول بين الخرطوم وبورتسودان بديلا لنقليات مشتقاته باسطول من فناطيس السكك الحديدية. ثم تبع ذلك بناء الطريق القومي الثاني من بورتسودان إلى الخرطوم، عن طريق عطبرة، ليختصر المسافة عن الطريق القومي الشرقي بحوالي اربعمائة كيلومتر. وكان خط السكة الحديد من بورتسودان إلي الخرطوم الركيزة الأهم لإيراداتها وكان نصيبه يصل إلى حوالي 70% من الدخل الذي يغطي مصروفات التشغيل وميزانية التنمية. العجز المالي للسكة الحديد أقعدها عن النمو وعن الصيانة وعن تغطية مصروفاتها الجارية. الأمر الاخر الذي زاد من إضعاف السكة الحديد هوالتغيير المتكرر في الوظائف القيادية ومنصب المدير العام خاصة وإسناده أحيانا لغير الملمين لا بالادارة كعلم أو بالسكة الحديد كمهنة تخصص وهو ما أقعد الادارة عن التصدي للمتغيرات التي أضعفت مقدراتها وأعجزها عن التصدي للمتغيرات في سوق النقل.
وعلى الرغم من أن سياسات الدولة كان لها الدور الاساسي في تدني إنتاج السكة الحديد إلا أن هناك سبب داخلي ساهم في اضعافها. ذلك كان الصراع الاداري- النقابي والذي لم يكن مؤسسا على قواعد متينة والتزام يحدد حقوق كل من الادارة والنقابات في حال تعثر المفاوضات. وغالبا كان يصل الامر الى التوقف عن العمل من جانب النقابات والافراط في التعامل غير القانوني من جانب الادارة أو الحكومة بصورة ادق وتفقد السكة الحديد كوادرها المؤهلة بالفصل أو الايقاف عن العمل. كما كانت الساحة النقابية مربطا للصراعات الحزبية في الديموقراطيات وضد الحكومة في الديكتاتوريات. وربما كان تكرار الصراعات والعمل السياسي أثره في القرارات الفوقية في دعم الطرق كبديل نقل، إضافة إلى تفكيك الادارة إلى عدة ادارات مصغرة باللامركزية لاضعاف الاثر النقابي لعمال السكك الحديدية. والذي لم يؤدي الى الهدف الذي قصدته الحكومة.
المقدمة طالت لكن لابد بيان بعض اسباب فشل السكك الحديدية قبل الحديث عن ما يمكن عمله وهل هناك من سبب لإحيائها. بداية هي كم موجود، وعلى الرغم من تدهور طال البنيات التحتية والمعدات إلا أن الموجود منها ليس بالقليل. ويعتقد كثير من السككيون أن التأهيل والصيانة الجيدة تعيد جزءا كبيرا من طاقة السكك الحديدية. الأمر الثاني الذي يقف إلى جانبها هو تميزها في النقل على المسافات الطويلة والاحمال الكبيرة والوفر في الوقود وقلة التأثير على البيئة. كما أنها تتميز في النقل الحضري بالسرعة والسعات العالية والمحافظة على البيئة وتأخد حيزا ضيغا من الطريق. كل ذلك يعيدنا إلى الاتفاق حول الجدوى العامة للسكك الحديدية.
التحديث الذي دخلت فيه السكك الحديدية في العالم شمل نواحي عديدة منها كهربة الخطوط متى توفر الامداد المناسب، ومنها تحديث البنية التحتية وإزدواجية الخطوط مع زيادة السرعات ووزن المحاور. كما زادت السكك الحديدية من نصيب الحاويات وخاصة في التبادل مع الوسائط الاخرى. واعتمدت السكك الحديدية على تقنيات متقدمة كحال معظم الصناعات في العالم المتقدم وتم اعتماد مواصفات موحدة تسهل عبور الحدود والتبادل بين الشبكات. ولم تكن السكك الحديدية السودانية طرفا في تلك المتغيرات.
الوضع الحالي للسكك الحديدية في السودان يستوجب النظرة الفاحصة للبنيات التحتية كأمر أهم. وبالنظر إلى خارطة السكك الحديدية نجد جزءا كبيرا من البنية التحتية غير عامل ولسنوات لا تسير عليه القطارات ويشمل ذلك الممر الشرقي بكامله من كسلا الى الدمازين. وإعادة الخطوط إلى العمل من الامور التي يجب أن تؤخذ بالجدية. أول صفات السكك الحديدية السودانية هوالخط المفرد الضيق. ويدور النقاش منذ أمد بعيد حول مواصفات الخط الحديدي. وربما تركز النقاش حول التغيير من الخط االضيق (ثلاثة قدم وست بوصات)، الموجود في أغلب افريقيا، إلى العرض القياسي الموجود في شمال افريقيا. أما النقاش حول الخط المفرد وأهمية ازدواجيته لم تحظى بذات القدر من الأهمية. اذا نظرنا إلى المشاكل التي تواجة الخط الحديدي نجد أن معظمها يعود إلى عدم إزدواجية الخط في السودان. الخط المفرد يتسبب في ضياع الاف الساعات من مسير القطارات بسبب المقابلات بين قطارين اذا تأخر أحدهما لاي سبب سواء أعطال أو عوامل الطبيعة من أهوية وامطار أو حوادث فإن الحركة تتوقف في الاتجاهين. قليل من الدول تعتمد على الخط المفرد وقد تعداه الزمن في السودان، منذ انشائه قبل مائة وعشرين عام. أما الخط من الاتساع السوداني الضيق فموجود عبر شرق افريقيا حتى جنوبها وكذلك في وسطها.
ومثل البنية التحتية فإن الآليات المتحركة وورش ومعدات الصيانة في حاجة إلى مراجعة وعمل جاد. والمعدات المتحركة من قاطرات وعربات وشاحنات لم تحظى بتغيير نوعي كبير بعد إدخال قاطرات الديزل أوائل الستينات ومع ذلك فإن معظم الموجود يحتاج الى الصيانة. وبعد تحديث كفائة الخطوط ورفع مستوى درجة الاداء تستطيع السكك الحديدية أن تدخل في مشاورات الانضمام إلى شبكات الجوار. وفي هذا المجال لابد من دراسة تستنبط التوجهات المستقبلية للاقتصاد السوداني وما هي دول الجوار التي ينبغي التواصل السككي معها وعلى ضوء ذلك ينظر في المتطلبات والمتغيرات الفنية واللوجستية المطلوبة لاكمال عملية الربط مع الدولة او الدول المختارة.
من المتغيرات النوعية الممكن إدخالها هو مشروع التحوية المتكامل الى جانب النقل التقليدي لميزاته الاقتصادية. احصائيات المواني البحرية تشير إلى الزيادة المتواترة في طن التحوية مقارنة بالنقل التقليدي وبصفة خاصة في مجال الواردات. وقد اصبح إستخدام الحاويات في النقل الدولي أمر شبه موحد على المستوى العالمي. وتقدر المصادر أن حوالي 60% من التجارة المنقولة بحرا منقولة بالحاويات ومقدرة بحوالي اثني عشر تريليون دولار في عام 2017. وتشير الاحصائيات أيضا إلى أن الطن المنقول بالحاويات إرتفع من 102 مليون طن في عام 1980 الى 1.83 بليون طن في عام 2017. ولقد تأثر النقل البحري سلبا بكوفيد 19 خلال السنوات التي انتشر خلالها المرض وقد عاد سوق الحاويات للانتعش مرة أخري والمتوقع حركة نمو تزيد عن 4% خلال السنوات القادمة ومن المتوقع أن ترتفع نسبة النقل البحري الى 75% من الطن المنقول عالميا.(mordorintelligece.com)
إذا رغبت السكك الحديدية السودانية في زيادة نصيبها من التحوية كان لا بد لها من تحضير البنية التحتية والمعدات والآليات الضرورية مع وضع القوانين والارشادات وأسس التدريب المتعلقة بهذا النوع من النقل. وتكلفة تجهيز محطات حاويات متكاملة تكلف مبالغ كبيرة من المال لابد من حسابها بالصورة التي تبين مقدار الايرادات التي تغطي النفقات وكلفة التشغيل. وللسكة الحديد خطوات في هذا التوجه الا أن المطلوب هو توجه متكامل نحو التحوية لتأخذ الجزء الاكبر من طاقة النقل في التوازن مع الزيادة في نقل الحاويات الواردة الى المواني خلال السنوات القادمة.
من المشهود في السنوات الاخيرة أن السكة الحديد في السودان قد بدأت في التطور التقني في ادارة النقل بالإعتماد على شبكة اتصالات رقمية متطورة لتبادل المعلومات داخل منظومة ادارة القطارات بما يحقق جودة اداء الادارة وسلامة وسرعة حركة القطارات. وبالإضافة إلى ذلك لابد من وضع نظم جيدة لتبادل المعلومات مع العملاء والجهات المرتبطة بالنقل وتيسير التبادل الاكتروني لتوفير الوقت والتكلفة في عملية نقل البضائع والركاب. وهذا يتطلب تأهيلا كاملا لكل مستويات العاملين في الادارات التشغشلية والاشرافية والامدادية في العمل على الحواسيب مع إعادة التدريب لتحسين مستوى التعامل مع الاجهزة الرقمية واعتماد نقل وتبادل البيانات والتعليمات رقميا بدلا من الاعتماد على الوسائل القديمة.
التوافق حول المواصفات الفنية والادارية التي تمكن السكك الحديدية من عبور الحدود الدولية والارتباط بين الشبكات الحديدية في الدول المتجاورة يعتبر من الامور التي تحتاج الى دراسة للوصول الى المواصفات الممكن الاتفاق حولها. ويشمل ذلك عرض الخط كعنصر اساسي أو استخدام وسائل تبادل بين الشبكات مع استخدام الخط المتوفر. ولابد للسكك الحديدية السودانية أن تنظر إلى سوق النقل في أوضاع تنافس من الطرق التي إمتازت بدعم متواصل خلال العقود الماضية بل منذ سبعينيات القرن الماضي. كما أن السوق مفتوح لوسائل أخرى كالنقل الجوي والنقل النهري. ولمقابلة الوضع المستجد لابد من تجهيز خطوطها ومعداتها بالمواصفات التي تجعل لها النصيب المناسب في سوق النقل.
لعل السؤال الاهم الذي يتردد لدى المختصين بالتطور السككي هو الى أي مدى يمكن للسكة الحديد أن تظل عاملة في الاسةاق المستقبلية بتقنياتها ومواصفاتها المعتمدة على رصيد يمتد الى مئة وعشرين سنة دون تغيير جوهري. وزادت حدة السؤال عندما نشر مقترح الخط بورتسودان-أدري. كان مقترح الخط في نسخته الاولى أقرب ما يكون الى سكة حديد تقليدية وفي نسخته الثانية أبعد ما يكون عن السكة الححديد في السودان وفي معظم السكك في أفريقيا. السؤال مهم للغاية ولابد من نظرة فاحصة للواقع وللمتوقع لعمر افتراضي للسكة الحديد يتراوح ما بين ثلاثين الى اربعين سنة وقد يمتد الى خمسين عام.
جائت تقديرات المشروع في نسخته الاولى بحالي 7 مليار دولار وفي الثانية بحوالي 15 مليار دولار. وهذا يعني استثمارا سنويا بمقدار 234 مليون دولار للنسخة الاولى و500 مليون دولار للنسخة الثانية وعلى أقل عمر افتراضي لكل نسخة. هذا فيما يختص بالتكلفة الراسمالية والتي يجب أن يضاف اليها التكلفة المتغيرة من تجديد وإستبدال وتحديث عبر السنوات الافتراضية وهي تتراوح ما بين خمسة عشر الى عشرين بالمائة من التكلفة الراسمالية اذا لم تكن اصلا مضافة في التكاليف الراسمالية للنسختين. الموافقة على أحد المشروعين تعتمد اولا على المفاضلة من جانب المسؤلية السياسية والاقتصادية وتحديد مستوى التقنية المقبولة على مستوى الدولة والأخذ في الاعتبار المتوفر والممكن توفره من الامكانيات المحلية والممكن استجلابها للمشروع المقترح.
المشروع المقترح في نسختيه يحتاج الى دراسة وتقييم متكامل للنواحي الاقتصادية والمالية والهندسية والفنية والاجتماعية والبيئية حتى يمكن الوصول الى الرأي الفصل بين الإستمرار في السكة الحديد الموجودة مع دعمها وإستمرارها منفردة أو مع النسخة المختارة من المشروع أو اعتبار احد النسختين هي السكة الحديد المستقبلية وبديلا للموجودة ويتم ادراجها كجزء اساسي في مستقبل تنمية قطاع النقل في السودان. المزيد من البحث والتشاور مهم للوصول إلى الرأي الذي يتوافق مع التنمية المتكاملة للسودان.
د. سليمان خليفة عباس-إقتصادي نقل
Comments